محمد بن جرير الطبري

38

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

فتأويل الكلام إذا كان الصواب في تأويل ذلك ما قلنا بما به استشهدنا خلق الانسان من عجل ، ولذلك يستعجل ربه بالعذاب . سأريكم آياتي فلا تستعجلون أيها المستعجلون ربهم بالآيات القائلون لنبينا محمد ( ص ) : بل هو شاعر ، فليأتنا بآية كما أرسل الأولون آياتي ، كما أريتها من قبلكم من الأمم التي أهلكناها بتكذيبها الرسل ، إذا أتتها الآيات : فلا تستعجلون يقول : فلا تستعجلوا ربكم ، فإنا سنأتيكم بها ونريكموها . واختلفت القراء في قراءة قوله : خلق الانسان من عجل فقرأته عامة قراء الأمصار : خلق الانسان من عجل بضم الخاء على مذهب ما لم يسم فاعله . وقرأه حميد الأعرج : خلق بفتحها ، بمعنى : خلق الله الانسان . والقراءة التي عليها قراء الأمصار ، هي القراءة التي لا أستجيز خلافها . وقوله : ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين يقول تعالى ذكره : ويقول هؤلاء المستعجلون ربهم بالآيات والعذاب لمحمد ( ص ) : متى هذا الوعد ؟ يقول : متى يجيئنا هذا الذي تعدنا من العذاب إن كنتم صادقين فيما تعدوننا به من ذلك ؟ وقيل : هذا الوعد والمعنى الموعود لمعرفة السامعين معناه . وقيل : إن كنتم صادقين كأنهم قالوا ذلك لرسول الله ( ص ) وللمؤمنين به . ومتى في موضع نصب ، لان معناه : أي وقت هذا الوعد وأي يوم هو فهو نصب على الظرف لأنه وقت . القول في تأويل قوله تعالى : * ( لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون ) * . يقول تعالى ذكره : لو يعلم هؤلاء الكفار المستعجلون عذاب ربهم ماذا لهم من البلاء حين تلفح وجوههم النار ، وهم فيها كالحون ، فلا يكفون عن وجوههم النار التي تلفحها ، ولا عن ظهورهم فيدفعونها عنها بأنفسهم ولا هم ينصرون يقول : ولا لهم ناصر ينصرهم ، فيستنقذهم حينئذ من عذاب الله لما أقاموا على ما هم عليه مقيمون من الكفر بالله ، ولسارعوا إلى التوبة منه والايمان بالله ، ولما استعجلوا لأنفسهم البلاء . القول في تأويل قوله تعالى : * ( بل تأتيهم بغتة فتبهتهم فلا يستطيعون ردها ولا هم ينظرون ) * .